مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

279

تفسير مقتنيات الدرر

وبالجملة قوله : * ( [ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ] ) * الأخبار دالَّة على أنّ القائل بهذا القول جبرئيل . وقيل : هو اللَّه قاله له على وجه التوبيخ . وفي الآية إضمار والتقدير : قيل له : آلآن آمنت حين لا ينفع الإيمان هلَّا آمنت قبل ذلك وكنت من المفسدين بادّعاء الإلهيّة وقتل النفوس ؟ روى عليّ بن إبراهيم بن هاشم بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال : ما أتى جبرئيل عليه السّلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله إلَّا كئيبا حزينا ولم يزل كذلك منذ أهلك اللَّه فرعون ، فلمّا أمر اللَّه سبحانه بنزول هذه الآية نزل ضاحكا مستبشرا فقال صلى اللَّه عليه وآله له : يا جبرئيل ما أتيتني إلَّا والحزن في وجهك ظاهر حتّى الساعة . قال : نعم يا محمّد صلى اللَّه عليه وآله لمّا أغرق اللَّه فرعون قال : « آمنت أنّه لا إله إلَّا الَّذي آمنت به بنو إسرائيل » فأخذت حمأة فوضعتها في فيه ، ثمّ قلت له : « الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين » ثمّ خفت أن تلحقه رحمة من عند اللَّه فيعذّبني اللَّه على ما فعلت فلمّا كان الآن وأمرني أن أؤدّي إليك ما قلته أنا لفرعون أمنت وعلمت أنّ ذلك كان اللَّه راضى . قوله تعالى : * ( [ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ] ) * اختلف معناه وقرئ بالحاء المهملة . قال المفسّرون : لمّا أغرق اللَّه فرعون وقومه أنكر بعض بني إسرائيل غرق فرعون وقالوا : هو أعظم شأنا من أن يغرق فأخرجه اللَّه حتّى رأوه فذلك قوله : « فاليوم ننجّيك ببدنك » أي نلقيك على نجدة ومكان مرتفع من الأرض بجسدك من غير روح وذلك أنّه طغا عريانا . وقيل : معناه نخلَّصك من البحر ببدنك أي بدرعك والبدن الدرع . قال ابن عبّاس : كانت عليه درع من ذهب يعرف بها ، فالمعنى : نرفعك فوق الماء بدرعك المشهور ليعرفوك * ( [ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ] ) * فلا يقولوا مثل مقالتك . وقرئ « لمن خلقك » بالقاف لأنّه كان يدّعي أنّه الربّ . والمعنى الثالث : ننجّيك ببدنك أي نخرجك من البحر عريانا من غير لباس . الرابع بالحاء أي نلقيك بناحية ممّا يلي البحر ، وذلك أنّه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب الساحل كأنّه ثور وما أخرج اللَّه جثّة غيره من هذا الجمع الكثير أحدا بل خصّه بالإخراج .